تقرير بحث السيد الخوئي للفياض

58

محاضرات في أصول الفقه

أصلا ، وذلك لأن الأفعال الاختيارية سواء أكانت معلولة للإرادة أم كانت معلولة لإعمال القدرة والسلطنة فلا يستند صدورها إلى مبدأ السنخية ، بداهة أنها لا تتولد من كمون ذات علتها وفاعلها ، ولا تخرج عن واقع وجوده وصميم ذاته لتكون من شؤونه ومراتبه ، بل هي مباينة له ذاتا ووجودا ، وعلى هذا فلا يمكن التفسير الصحيح ، لاحتفافها بالضرورة السابقة ، فإن معنى هذا - كما عرفت - وجود المعلول في مرتبة وجود علته ، وهذا لا يعقل إلا في المعاليل الطبيعية ( 1 ) . ومن هنا يظهر : أننا لو قلنا بأن الإرادة علة تامة لها فمع ذلك لا صلة لها بالقاعدة المزبورة ، لوضوح أنه لا معنى لوجوب وجودها في مرتبة وجود الإرادة ثم خروجها من تلك المرتبة إلى مرتبتها الخاصة . وعلى الجملة : فإذا كانت العلة مباينة للمعلول وجودا ولم تكن بينهما علاقة السنخية فبطبيعة الحال لا يتصور هنا وجوب وجود المعلول من قبل وجود علته ، فإذا ليس هنا إلا وجوده بعد وجودها من دون ضرورة سابقة ، ومرد هذا بالتحليل العلمي إلى عدم قابلية الإرادة للعلية . وقد تحصل من ذلك : أن الفعل في وجوده يحتاج إلى فاعل ما ، ويصدر عنه باختياره وإعمال قدرته ، ولا تأثير للإرادة فيه بنحو العلة التامة . نعم ، قد يكون لها تأثير فيه بنحو الاقتضاء . فالنتيجة : أنه لا مجال للقاعدة المتقدمة في إطار سلسلة الأفعال الاختيارية فتختص بسلسلة المعاليل الطبيعية ( 2 ) . وأما النقطة الثانية - وهي : أن الفعل الاختياري ما أوجده الإنسان باختياره وإعمال قدرته - فقد تبين وجهها على ضوء ما حققناه في النقطة الأولى : من أن الإرادة مهما بلغت ذروتها من القوة لن تكون علة تامة للفعل ، وعليه فبطبيعة الحال يستند وجود الفعل في الخارج إلى أمر آخر ، وهذا الأمر : هو إعمال القدرة

--> ( 1 ) مر ذكره في ص 49 فراجع . ( 2 ) أي : قاعدة " أن الشئ ما لم يجب لم يوجد " المتقدمة في ص 55 .